بائعة الجرجير

بائعة الجرجير وصاحبة السيارة الـ Audi

يبدو أن الخير لا ولم ينتهي من هذه الحياة، كما تصوره لنا الشبكات الاجتماعية كل لحظة ويوم، والمصائب التي تنهال على البشرية، لدينا أسفل المنزل سيدة تبلغ من العمر (٦٠-٧٠) عامًا، وبالكاد تمشي ولكن هذا لما يمنعها من أن تجلب رزقها بالحلال ومن عرق الجبين، فهي تقوم ببيع الخضروات الورقية مثل الجرجير والفجل والكزبرة والبقدونس والبصل والكرّات وبعض الليمون، وأحيانًا تضع بجانبها حبات من البطيخ يمكن ان تبيعه، حيث أن هذا الوقت هو موسم البطيخ في مصر.

تأتي هذه السيدة كل يوم وتبدأ يوم العمل من التاسعة صباحًا وحتى السادسة مساءً أي حوالي 9 ساعات عمل كاملة لا يحميها من الشمس سوى (شمسية) بسيطة مثل الشمسيات التي نراها على الشواطئ، تقوم في بداية اليوم بفرز الخضروات التي يجلبها لها بائع (جملة) للخضار في سيارته الربع نقل، وتعرضهم بشكل بسيط على مجموعة من الأقفاص الخشبية، الجارة التي تسكن في الدور العلوي كل يوم أو يومين تنادي لها، وتنزل لها إفطار طازج من رزق الله عليهم.

حين انظر لتلك السيدة من النافذة كل يوم، أشعر بالخجل من نفسي حين تأتيني مشاعر الاحباط أو حتى مشاعر الاكتئاب العابرة، فالحياة قاسية وستظل كذلك ولكن لما لا اركّز على النعم التي أنعم بها أنا وأسرتي، لا انتظر هنا لا اقارن نفسي بتلك السيدة أو بغيرها، لكن مثل تلك الأمور تجعلني أفكّر هل أنا فعلًا في مأزق كبير في حياتي؟ هل علي أن استمر في التذمّر على تلك الحياة اللعينة والتجارب الصعبة التي مررت بها وأمر بها من وقت لآخر؟

الإجابة قطعًا تكون لا انظر من حولك بعين واسعة وبنفس طويل على المدى القريب والبعيد، ما انجزته وما انجزه حاليًا وما سوف انجزه في المستقل، ما اعطتني الحياة من فرص وأسرة وأهل وأصدقاء بحلوهم ومرّهم، المرات التي كانت حياتي على المحك وبفضل أشياء كثير عادت الحياة لطبيعتها!

قرأت كتابًا مؤخرًا عن التربية والأطفال وهو مناسب جدًا للجميع وسوف أكتب عنه تدوينة قريبًا، كان جزء من الكتاب يقول من أكثر صدمات المراهقين اكتشاف والتأكد من أن الحياة قاسية وليست كما صورته لنا الأفلام والمسلسلات والكارتون، وإن هذه الصدمة قد تأخذ شهورًا أو حتى سنين منا لتقبله أو تجاوزها، البعض للأسف يظل أسير هذه الصدمة حتى نهاية العمر.

نعود مرّة أخرى لبائعة الجرجير، في أحد الأيام بعد العصر وبدء غروب الشمس وأنا أقف في النافذة للراحة من العمل مؤقتًا توقّفت سيارة Audi كانت تقودها سيدة في أرزل العمر، أما بائعة الجرير وتحمل في يدها بعض العملات المعدنية لشراء الخضروات منها، وكانت بالكاد تتحرك من السيارة لبائعة الجرير تلك، وبعد أن وضعت الخضار المطلوب للسيدة في (الشنطة) وإذ فجأة السيدة صاحبة السيارة الأودي تخرج من حقيبتها (ورقة نقدية) بقيمة جّل خضروات بائعة الجرجير، ومعها العملات المعدنية، وذهبت بسرعة بعد أن اخذت منها شنطة الخضروات المطلوبة.

صدمت من الموقف في الواقع واخذت نفسًا عميقًا وابتسمت 😊 وتذكّرت أن العالم رغم قسوته فهو مليئ بالأمور اللينة الجميلة التضامنية، وأنّ البشر رغم ما خاضوه من حروب وفتك ببعضهم البعض، فهناك أناسًا أخيار يجعلون الكوكب متزنًا إنسانيًا، وأثناء كتابة تلك التدوينة كنت في النافذة اخذ استراحتي المعتادة من الجلوس أمام الحاسوب، توقّف صاحب سيارة فارهة وأخرج يده من نافذة السيارة ليعطي تلك السيدة مبلغًا من المال أيضًا وذهب في طريقه مسرعًا.

لذا ان كنت في مطلع العمر وتتذمر أو تشعر بالضيق فعليك بالصبر والعمل بجد والتعلّم باستمرار واستغلال الوقت بشكل أفضل، ومصاحبة أشخاص أخيار يظهر الخير منهم في تصرفاتهم وأفعالهم وليس كلامًا في الهواء، وهذه تدوينة كتبتها من ١٠ سنوات تقريبًا لموقف مع أصدقائي بعنوان: شبعانة يا ابني أرجو منكم قراءة الفاتحة على روح الزميل بحر نصر.


عودة لقسم روابط مع مجموعة دسمة من التدوينات في الويب العربي اخترتها بعناية لكم.

🔗 روابط:

هذا كل شيء.

نُشرت بواسطة

MidooDj

من كوكب الصعيد، مدوّن حرّ، مهتم بالتسويق الرقمي، وريادة الأعمال، والعمل عن بُعد، والدراجات الهوائية، عايزه صبر! 

تعليق واحد على “بائعة الجرجير وصاحبة السيارة الـ Audi”

  1. الناس الطيبين موجودن والحمد لله دائماً .. قد لا يتم التركيز عليهم في الاعلام إلا من أجل أخذ لقطة ما … أمور تحدث في صمت لأن فاعليها لا يسعون لأن يحدثوا أي ضجة بل يريدون أخذ ثوابهم والانصراف لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *